الجاحظ

284

المحاسن والأضداد

فخرجت ، يا أمير المؤمنين ، وأنا أجرّ ذيلي حتى وردت عليها ؛ فاستأذنت ودخلت ، فبدأت بي ، فقالت : « ما وراء الشيخ » ؟ قلت : « البؤس واليأس » . قالت : « لا عليك . فأين اللّه والقدر » ؟ ثم أمرت لي بخمسمائة دينار ، وعشرة أثواب ، وخرجت من عندها وأنا ممتدح لآل سليمان . فلم يكن لي ، واللّه ، إلّا معرفة خبرها في العام الذي عدت فيه إلى البصرة ، فوردت عليها ، فوجدت على بابها أمرا ، ونهيا ، وأسبابا لا تكون إلّا على باب الخلفاء . فاستأذنت ، فدخلت ، فإذا فوق رأسها ثلاثون رجلا من شيوخ وشبان وخدم ، وقوف بسيوفهم ، فلما نظرت إليّ ، عرفتني ، ووثبت إليّ ، وقبّلت رأسي ، وقالت : « يا شيخ ! الحمد للّه الذي جعل العبيد بالصبر ملوكا ، وجعل الملوك بالتيه عبيدا ، إن الذين تراهم وقوفا ، أصحاب « ضمرة » ، يسلون سخيمتي ، ويسألونني الرجوع له ، واللّه ، لا نظرت إليه في وجه ، ولو أنه في حسن يوسف وكمال حواء » . فسجدت ، يا أمير المؤمنين شماتة بضمرة ، وتقرّبا إلى الجارية . فقال بعض حجّاب ضمرة : مهلا يا شيخ ، فمن طاب محضره ، طاب مولده » . ثم انصرفوا . فناولتني خريطة « 1 » فيها أوراق ، فقالت : « هذا أول ما ورد علينا منه ، فإذا ثوب خزّ أبيض يقق ، مكتوب فيه بماء الذهب : « بسم اللّه الرحمن الرحيم . لولا تغاضي عليك ، أدام اللّه حياتك ، لو صفت شطرا من غدرك ، ولبسطت سوط عتبي عليك ، وحكمت سيف ظلامتي فيك ، إذ كنت الجانية على نفسك ، والمظهرة لسوء العهد وقلة الوفاء ، المؤثرة علينا غيرنا ، فخالفت هواي ، وفرشت نفسك لها ، على حالتي جدّ وهزل ، وصحو وسكر ، والمستعان اللّه على ما كان من سوء اختيارك . وقد ضمنت رقعتي هذه ، أبيات شعر ، أنت المتفضّلة بالنظر إليها ، وهي : قطّع قلبي فراقكم قطعا * وكدت أقضي بينكم جزعا

--> ( 1 ) خريطة : كيس من الأدم والخرق يشرج على ما فيه . ومنه خرائط كتب السلطان .